عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

109

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

وخرّج ابن منده ، من طريق علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ، أن سلمان قال لعبد اللّه بن سلام : إن أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت ، وإن أرواح الكفار في سجّين . وعلي بن زيد ليس بالحافظ ، خالفه يحيى بن سعيد الأنصاري مع عظمته وجلالته وحفظه . فروى عن سعيد بن المسيب ، قال فيه : إن أرواح المؤمنين تذهب في الجنة حيث شاءت ، كما سبق ذكره . وقد تقدم عن مالك : أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت . وخرّجه ابن أبي الدنيا ، عن خالد بن خداش ، قال : سمعت مالكا يقول ذلك . وخرّج أيضا عن حسين بن علي العجلي ، حدّثنا أبو نعيم ، حدّثنا شريك ، عن يعلى بن عطاء ، عن أبيه ، عن عبد اللّه بن عمرو ، قال : مثل المؤمن حين تخرج نفسه ، أو قال روحه ، مثل رجل كان في سجن ، فأخرج منه ، فهو يتفسّح في الأرض ويتقلب فيها . ومما استدل به على أن الأرواح في الأرض ، حديث البراء بن عازب ، الذي تقدّم سياق بعضه ، وفيه صفة قبض روح المؤمن : « فإذا انتهى إلى العرش كتب كتابه في عليّين ، ويقول الرب سبحانه وتعالى : ردّوا عبدي إلى مضجعه ، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى ، فتردّ إلى القبر » ، وذكر الحديث . وقال في روح الكافر : « فيصعد بها إلى السماء ، فتغلق دونه ، فيقول الرب سبحانه وتعالى : ردّوا عبدي إلى مضجعه ، فإني وعدتهم أني منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى » . وفي رواية : ويقول اللّه : « ردّوا عبدي إلى الأرض ، فإني وعدتهم أني أردهم فيها » ، ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [ طه : 55 ] . وهذا يدل على أن أرواح المؤمنين تستقر في الأرض ، ولا تعود إلى السماء بعد عرضها ونزولها إلى الأرض ، وهناك أرواح تبقى في الجنة لا سيما الشهداء . وفي « صحيح مسلم » عن عبد اللّه بن شقيق ، عن أبي هريرة ، في صفة قبض روح المؤمن قال : « ثم يصعد به إلى ربه عزّ وجلّ ، فيقول : ردوه إلى آخر الأجلين » ، وقال مثله في الكافر ، وقال فيه : ردّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ربطة على أنفه ، يعني لما ذكر نتن ريحه « 1 » . وهذا يشهد برفع الحديث كله . وخرّج ابن أبي الدنيا ، من حديث قسامة بن زهير ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :

--> ( 1 ) تقدم .